علوم

دراسة: هل يستخدم الدماغ 10 بالمائة فقط من قدراته؟

من المعروف أن دماغ الإنسان شديد التعقيد، حيث يتكون الدماغ من عشرات المليارات من الخلايا العصبية، ويستطيع العقل تخزين أكثر من 70000 معلومة وإنتاج 50 ألف فكرة في اليوم، وإلى جانب أن العقل يؤلف الحفلات الموسيقية، ويحل المعادلات الرياضية، فهو أيضاً منبع المشاعر والسلوكيات والتجارب البشرية، ومستودع الذاكرة والوعي الذاتي والخبرات الإنسانية. لذلك ليس من المستغرب أن يبقى الدماغ لغزاً غامضاً في حد ذاته.

وفي خضم هذا التعقيد والغموض، ظهرت أسطورة أو لغزاً أو فرضية مثيرة للجدل لم تبرهن عملياً حتى اليوم، تقول الأسطورة أن البشر يستخدمون 10% فقط من أدمغتهم، وتفترض أن الإنسان سيصبح خارقاً للطبيعة إذا أمكنه استخدام الـ 90 بالمائة الأخرى، فيمكنه تذكر الأرقام المعقدّة أو تحريك الأشياء عن بعد.

وبرغم عدم معرفة مَصدّر هذه الأسطورة على نحو دقيق، إلا أن هذة الفرضية نسبت إلى الطبيب النفسي والمؤلف الأمريكي وليام جيمس، والذي قال في بيان له:

يشعر معظمنا كما لو كنا نعيش بشكل معتاد مع نوع من السحابة التي تثقل علينا، تحت أعلى درجة من الوضوح في التمييز، أو اليقين في التفكير، أو الحزم في اتخاذ القرار. مقارنة بما يجب أن نكون عليه، نحن نصف مستيقظين فقط، نيراننا خامدة، مسوداتنا تم فحصها. نحن نستخدم فقط جزء صغير من مواردنا العقلية والبدنية الممكنة. وليام جيمس 1907 [ص. 323]

يلاحظ أن جيمس قد لا يعني حرفياً أننا نستخدم 10% فقط من دماغنا، إنما يتوافق بيانه في الواقع مع ما نعرفه الآن عن حالات الانتباه والتدفق الذهني.

ترسخت هذة الأسطورة أيضاً في الثقافة الشعبية برغم العديد من الجهود المبذولة لضحدها. كما تم طرح الفكرة في فيلم (Lucy 2014). وقد تم استخدام الفكرة لإثبات أفكار علوم الطاقة.

فيلم لوسي Lucy
فيلم لوسي Lucy

برغم أن الفكرة تبدو شيقة ومتداولة إلى حد بعيد، إلا أن أسطورة الـ 10 بالمائة غير صحيحة تماماً ومثيرة للضحك، بحسب طبيب الأعصاب باري جوردون أستاذ كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز في بالتيمور. يقول غوردون، إن الأسطورة تنبع من تصورات الناس عن أدمغتهم: فهم يعتبرون قصورهم الذاتي كدليل على وجود مادة غير مستغلة، وهذا افتراض زائف، وأنه من المعروف أن عقل الإنسان قد يكون مسترخياً في بعض المواقف، ومع ذلك، أننا نستخدم كل جزء من الدماغ تقريباً، وأن معظم أجزاء الدماغ في حالة نشاط طوال الوقت تقريباً وحتى أثناء النوم”.

إثبات خطأ الفرضية

يشكل دماغ الإنسان 3% من كتلة الجسم، ويزن دماغ الإنسان العادي نحو 1.4 كج، ويستهلك 20% من طاقة الجسم للقيام بالوظائف الإداركية والحركية والتلقائية. وبحسب الباحثين المتخصصين في دراسة الدماغ والأعصاب و عبر استخدام تقنية تصوير الدماغ فإنه على غرار عضلات الجسم، تكون معظم مناطق الدماغ نشطة على مدار اليوم.

يقول جون هنلي عالِم الأعصاب لدى مايو كلينيك بولاية مينيسوتا: “تثبت الأدلة أنه على مدار اليوم، يستخدم الإنسان مئة بالمئة من الدماغ، وإنه حتى أثناء النوم، فإن بعض أجزاء الدماغ مثل القشرة الجبهية المسئولة عن التفكير وإدراك الذات، أو الأجزاء الحسية المسؤولة عن إحساس الأشخاص بالبيئة المحيطة بهم تكون نشطة أيضاً.

على سبيل المثال، وبالنظر إلى عمل بسيط مثل صب فنجال القهوة في الصباح: فإن إتخاذ القرار، والسير نحو إبريق القهوة، والوصول إليه، وصب القهوة في الفنجال، وترك بعض الفراغ في الكوب لإضافة الكريمة، يتطلب أن يكون الفص القذالي والفص الجداري والقشرة الحركية الحسية والحسية الحركية والعقد القاعدية والمخيخ والفصوص الأمامية، جميعها نشطة، كعاصفة رعدية من تشابكات الخلايا العصبية تمر خلال الدماغ كله تقريباً خلال فترة زمنية لا تتجاوز بضع ثوان.

ويضيف هنلي: “هذا لا يعني بالضرورة أنه إذا تضرر جزء من الدماغ فلن يستطيع المرء أداء الوظائف اليومية، فهناك أشخاص أصيبوا بأضرار دماغية أو حتى تمت إزالة أجزاء من أدمغتهم ولا يزالون يحيون حياة طبيعية إلى حد كبير، ولكن يرجع هذا إلى قدرة الدماغ على التعويض والتأقلم”.

أحدثت تقنيات التصوير المقطعي البوزيتروني PET، والتصوير بالرنين المغناطيسي، ثورة في فهمنا للدماغ، وفي فحوصات التصوير المقطعي PET، يتم حقن جهاز تتبع إشعاعي نشط بيولوجياً (بالنسبة للدماغ، عادة ما يكون أحد أشكال الجلوكوز). يتم استقلاب التتبع من الدماغ، فيتم انبعاث البوزيترونات. كلما كان الدماغ أكثر نشاطاً، زاد انبعاث البوزيترون. تكتشف المستشعرات البوزيترونات من خلال إشعاع غاما، وبعد ذلك يمكن للكمبيوتر إنشاء تمثيل ثلاثي الأبعاد لنشاط الدماغ بناءً على تركيزات التتبع. على هذا النحو، إذا استخدمنا 10% فقط من دماغنا، فمن المفترض أن يظهر الدماغ مظلماً بنسبة 90% بسبب عدم النشاط. وهو ما لم يثبته أبداً فحص PET، فيظهر الدماغ بأكمله نشط باستمرار حتى أثناء فترات النوم.

فحص PET للدماغ
فحص PET للدماغ

يدرك المتخصصون في علم الدماغ والأعصاب جيدا أن الخلايا العصبية النمطية في الوظائف المتشابهة تميل إلى أن يتصل بعضها ببعض. على سبيل المثال، تنتظم الخلايا العصبية المسؤولة عن التحكم في حركة الإبهام إلى جوار الخلايا التي تتحكم في حركة السبابة. ولذلك، عند إجراء جراحة في الدماغ، يتجنب الجراحون بحذر التجمعات العصبية المرتبطة بالحركة والرؤية والسمع، مما يسمح للدماغ بالحفاظ على أكبر قدر ممكن من وظائفه.

لكن الأمر غير المفهوم حتى الآن، هو كيف يمكن لتجمعات خلايا عصبية من مناطق مختلفة من الدماغ، أن تتحِد لتشكيل الوعي. حتى الآن، لا وجود لأي دليل يشير إلى ارتباط منطقة بعينها في الدماغ بالوعي، مما جعل العلماء يميلون إلى افتراض أن الوعي يمثل جهداً عصبياً جماعياً.

تُرجم بواسطة Mohamed Abusharaf – لصالح موقع arabiantopic.com

المصدر:

www.scientificamerican.com/article/do-people-only-use-10-percent-of-their-brains
www.psychologicalscience.org/teaching/myth-we-only-use-10-of-our-brains.html

الوسوم
اظهر المزيد

Arabian Topic

مجلة رقمية ومساحة للرأي الحر، نهتم بالقضايا العربية ومناقشة الفلسفة والعلوم والأدب والفنون والحركات الفكرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق