علوم

التجريب العقلي والتحريك الفكري

التجريب العقلي هو أسلوب تفكير يعني أن يقوم الإنسان بداخل عقله بطرح كل الفرضيات والتحقيقات والبراهين التي لا يتيسر له أن يقوم بها في الواقع. بشكل عام، فإن كل إنسان أو مفكر أو عالِم يتصور كل ما يريد عمله وكل ما يحتاج إليه من عناصر، وكيفية تحقيق ما يريد، وتوقع النتائج لذلك. لا يكلف التجريب الذهني شيئاً من الناحية المادية، فلا يحتاج إلى مواد أو أدوات بعكس التجريب الفعلي، والذي يتطلب وقتاً ومجهوداً، لذلك فإن التجريب العقلي يقتصد في الوقت والجهد والمواد.

والتجريب العقلي في تصور “ماخ” و “رنيانو” هو حالة خاصة متطورة من التحريك الفكري الذي يقوم به عقلنا في تعامله مع الوجود. فالتحريك الفكري هو الأساس الذي نقوم به في كافة عملياتنا الفكرية باختلاف الشكل والنوع ودرجة التعقيد.

يرتبط التجريب العقلي ارتباطاً وثيقاً بالعلوم والفلسفة والفكر، ويختلف عن التنظير العلمي الممنهج بعدم الحاجة للالتزام بالمعايير والقواعد العلمية المتعارف عليها. جاء في (معجم روبير) بأن النظرية “هي مجموعة من الأفكار والمفاهيم المجردة والمنظمة، والمطبقة في مجال خاص”. فيما يمكن تعريف التجريب العقلي بأنه “إنشاء تأملي للفكر يربط الاحتمالات بالنتائج”..

على سبيل المثال، ما فعله كثير من العلماء مثل “غاليلو”، و “اينشتاين”. قد استطاعا الوصول لأفكار ونظريات وقوانين بالاعتماد بصورة أساسية على التجريب العقلي.

بشكل عام، هناك التجريب الفكري والحسي والاستباقي لرحلة أو لمقابلة أو زيارة ما، إلخ…. فالتجريب الفكري يتخطى السياق العلمي والفلسفي، فهو عملية مستمرة بداخل الدماغ والجهاز العصبي، فالعقل أو الدماغ يستكشف الذات والوجود عن طريق عملية التفكير، وأيضاً للاستدلال أو بناء احتمالات ما يمكن أن يحدث، وأسباب ما قد حدث. عن طريق التحليل أو التركيب والبنيات الفكرية، كشكل من أشكال التجريب.

الفرق بين التجريب العقلي والتحريك الفكري:

التحريك الفكري وظيفة تلقائية يقوم بها الدماغ بشكل روتيني وتلقائي، في الكيفية التي يقوم بها الدماغ بالتعامل مع الواقع والاستجابة المناسبة للظروف كشكل من أشكال تكيف وتطور الإنسان والحيوان مع البيئة. معظم تصرفات الإنسان وقراراته الإرادية الواعية بغض النظر عن صحتها أو خطئها لا يقوم بها إلا بعد إجراء التجريب الفكري ومن ثم اختيار وتنفيذ القرارات التي يراها المناسبة. إلا أن هناك الكثير من القرارات والتصرفات الفورية لا تحتاج إلى تفكير عميق إذا كان الموقف غريزي أو مجرب مسبقاً.

فيما يعتبر التجريب العقلي شكل متطور من التحريك الفكري وأكثر تنظيماً، إذ يعتمد على القياس والمقارنة والتحليل والتركيب. وما يبدعه المفكرين والعلماء والأدباء والفنانين من أفكار وأعمال أدبية وفنية.

اللعب الفكري والتجريب الفكري:

إن كل لعب يمكن اعتباره شكلاً من أشكال التجريب، لذلك فاللعب الفكري هو نوع من التجريب الفكري، ونحن نستخدمه بشكل غريزي ونعتمد عليه بشكل كبير في طفولتنا، إن ألعابنا الواقعية لا يمكن لعبها دون الألعاب الفكرية فالألعاب الواقعية تعتمد بالأساس على الألعاب الفكرية، وعندما تكون الألعاب الفكرية المستخدمة محدودة وغير متطورة تكون غير فعّالة في تحقيق الأهداف. فتطوير الألعاب الواقعية بواسطة الألعاب الفكرية يكون أوسع و أسرع بكثير، وكافة الإبداعات والاختراعات في جميع المجالات تعتمد بشكل أساسي على الألعاب الفكرية.

“على العموم إنني أستطيع أن أستغني عن إجراء أي تجربة واقعية لأنني أستطيع أن أركّب في ذهني كل العمليات الممكنة وحتى غير الممكنة” ديكارت

الوسوم
اظهر المزيد

Arabian Topic

مجلة رقمية ومساحة للرأي الحر، نهتم بالقضايا العربية ومناقشة الفلسفة والعلوم والأدب والفنون والحركات الفكرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق